كتبت/ سمـا محمد
تُشكّل منظومة ESG (البيئية، الاجتماعية، والحوكمة) إطارًا عالميًا متكاملًا يعيد تعريف معايير التميز المؤسسى، من خلال ربط القدرة على تحقيق الأرباح بالالتزام بحماية البيئة، وتعزيز العدالة المجتمعية، وهنا يبرز الدور الجوهرى للموارد البشرية، حيث أصبحت الموارد البشرية مسؤولة عن:
بمعنى آخر، الموارد البشرية أصبحت الجهة التى تحول الاستراتيجية إلى سلوك.
البعد البيئى ودور الموارد البشرية فى تفعيله داخل شركات التأمين
يبدأ دور الموارد البشرية فى تفعيل البعد البيئى من أولى مراحل دورة الموظف، ألا وهي مرحلة التوظيف، وذلك من خلال تضمين الوعى البيئىضمن معايير اختيار الكفاءات، بما يضمن استقطاب كوادر تمتلك فهماً راسخاً لمفاهيم الاستدامة.
تعمل الموارد البشرية على تعزيز الوعى البيئى من خلال برامج التدريب والتوعية المستمرة، والتي تشمل ترشيد استهلاك الموارد، تقليل استخدام الورق، تبنى الحلول الرقمية، وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية.
تسهم الموارد البشرية فى ربط الأداء الوظيفى ببعض مؤشرات الاستدامة البيئية، مثل دعم المبادرات الخضراء أو تقليل استهلاك الموارد، مما يعزز التزام الموظفين بالسلوكيات البيئية الإيجابية.
تلعب الموارد البشرية دوراً مهماً في دعم التحول الرقمي داخل شركات التأمين، من خلال تقليل الاعتماد على الورق، وتحسين كفاءة العمليات، وخفض استهلاك الموارد، مع إدارة التغيير لضمان تقبل الموظفين لهذه التحولات.
البعد الاجتماعى ودور الموارد البشرية في ترسيخه داخل شركات التأمين
يعد البعد الاجتماعى عنصر أساسى فى بناء الثقة، لأن الخدمة التأمينية قائمة على العلاقة غير الملموسة بين الشركة والعميل، والتى تعتمد بالكامل على المصداقية، وهنا يظهر الدور المحورى للموارد البشرية باعتبارها المسؤول الأول عن تصميم وتوجيه هذه البيئة الاجتماعية داخل المؤسسة.
1. التنوع والشمول (Diversity & Inclusion)
أصبح التنوع اليوم عنصراً استراتيجياً وليس مجرد شعار مؤسسى،فالتنوع لا يعنى فقط اختلاف الجنس أو العمر، بل يشمل أيضا الخلفيات التعليمية والثقافية والخبرات المهنية وأنماط التفكير، فى شركات التأمين، التنوع يحقق فوائد مباشرة مثل:
2. رفاهية الموظفين وجودة بيئة العمل
أصبحت رفاهية الموظف اليوم جزءاً مباشراً من الاستدامة المؤسسية، ولم يعد الموظف يُنظر إليه كعنصر إنتاج فقط، بل كأصل استراتيجي، لذا تلعب الموارد البشرية دوراً أساسياً فى:
إن الدراسات الحديثة في إدارة الموارد البشرية تشير إلى أن المؤسسات التي تهتم برفاهية موظفيها تحقق معدلات إنتاجية أعلى بنسبة تتراوح بين 15% إلى 25% مقارنة بالمؤسسات التقليدية.
3. العدالة الوظيفية وربطها بالاستدامة
العدالة الوظيفية تعد عنصر أساسى في استقرار المؤسسات. وتشمل العدالة: الأجور والترقيات وتقييم الأداء وتوزيع المهام، ويتمثل دور الموارد البشرية فى بناء أنظمة تقييم شفافة تعتمد على: مؤشرات أداء واضحةومعايير موحدة ومراجعة دورية للقرارات وتقليل التدخلات الشخصية في التقييم.
4. تطوير المهارات وبناء رأس المال البشرى
أحد أهم أبعاد ESG الاجتماعى هو الاستثمار فى رأس المال البشرى،والمؤسسات التي لا تطور موظفيها تفقد قدرتها على الاستمرار فى بيئة متغيرة.
ففي قطاع التأمين، التحول الرقمي والتغيرات المناخية فرضت مهارات جديدة مثل: تحليل البيانات، وفهم المخاطر المناخية، والأمن السيبراني، وإدارة النماذج الاكتوارية الحديثة، ويتمثل ودور الموارد البشرية فى:
الحوكمة (Governance) ودور الموارد البشرية فى ضبط الأداء المؤسسى
تلعب الموارد البشرية دوراً جوهرياً على أرض الواقع من خلال:
القوانين وحدها لا تكفى لضمان السلوك الصحيح، بل يجب أن تكون هناك ثقافة تنظيمية تدعم هذه القوانين، وتكون الموارد البشرية مسؤولة عن:
أحد أهم التطورات فى أنظمة الموارد البشرية الحديثة هو الانتقال من تقييم الأداء القائم على النتائج فقط إلى تقييم شامل يشمل:
يعد الامتثال (Compliance) فى شركات التأمين عنصر أساسى بسبب الطبيعة التنظيمية الصارمة للقطاع، وتساهم الموارد البشرية فى هذا المجال من خلال:
العلاقة بين الحوكمة وتجربة العميل فى التأمين
تعمل الحوكمة تحسين تجربة العميل من خلال:
وفي سياق دعم الحوكمة داخل قطاع التأمين، تمارس الموارد البشرية دورًا غير مباشر لكنه أساسي، حيث تسهم في تطوير كفاءة العاملين، وتعزيز التزامهم بالقيم المؤسسية، وضمان عملهم فى بيئة تنظيمية تتسم بالشفافية.
التحديات وأفاق المستقبل: الموارد البشرية كمحرك رئيسي لـESG فى شركات التأمين
أولا: التحديات الحقيقية لتطبيق ESG داخل المؤسسات
رغم أن ESG أصبح إطاراً عالمياً معتمداً فى تقييم أداء المؤسسات، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع يواجه مجموعة من التحديات المعقدة، خصوصا فى القطاعات المالية مثل التأمين.
يُعد قياس بعض مكونات إطارESG، لا سيما البعد الاجتماعي، من أبرز التحديات التي تواجه المؤسسات، نظراً لطبيعته غير الملموسة وصعوبة ترجمته إلى مؤشرات كمية دقيقة، فعلى سبيل المثال، يظل قياس (رضا الموظفين) مسألة معقدة، إذ يتطلب أدوات تعكس الواقع الفعلي بعيداً عن التحيزات، كما أن تحويل (الثقافة المؤسسية) إلى مؤشرات رقمية قابلة للقياس يمثل تحدياً منهجياً، فضلاً عن صعوبة تقييم الأثر الحقيقي لبرامج التدريب المرتبطة بالاستدامة.
وتعكس هذه التحديات الحاجة إلى تبني أدوات تحليل متقدمة ومنهجيات قياس أكثر تطوراً، تتجاوز الاعتماد على التقارير الوصفية، لتشمل مؤشرات أداء كمية ونوعية قادرة على تقديم صورة أكثر دقة وشمولاً عن الأداء الاجتماعي للمؤسسات، بما يدعم اتخاذ القرار ويعزز فعالية تطبيق معاييرESG.
أي تحول مؤسسي واسع النطاق يواجه بطبيعته درجة من المقاومة التنظيمية من قبل الموظفين أو حتى بعض الإدارات، باعتباره يفرض تغييراًفي أنماط العمل الراسخة وأساليب اتخاذ القرار، وفي سياق تطبيق معاييرESG، تتجلى هذه المقاومة في عدة صور، من أبرزها رفض أنظمة التقييم الجديدة، وعدم تقبل ثقافة الشفافية، والخوف من زيادة مستويات الرقابة، بالإضافة إلى صعوبة التخلى عن العادات التنظيمية التقليدية.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحورى لإدارة الموارد البشرية في إدارة عملية التغيير بشكل تدريجى ومنظم، من خلال تهيئة الموظفين نفسياً ومهنياً، وتعزيز الوعى بأهمية التحول، وتقديم برامج تدريب ودعم تساعد على تقليل مقاومة التغيير، بما يضمن انتقالاً أكثر سلاسة نحو تبنى ممارسات ESG داخل المؤسسة.
3.نقص الكفاءات المتخصصة في ESG
لا يزال سوق العمل فى العديد من الدول، بما فى ذلك مصر، يعانى من نقص فى الكوادر المتخصصة فى مجالات ESG ممن يمتلكون خبرة عملية متعمقة فى التطبيق الفعلى للمفهوم، وينتج عن ذلك مجموعة من التحديات، من أبرزها عدم دمج لمبادئ ESG بشكل حقيقى فىالعمليات التشغيلية، والتركيز المفرط على إعداد التقارير على حساب التنفيذ الفعلى، فضلاً عن ضعف التكامل والتنسيق بين الإدارات المختلفة داخل المؤسسة.
تطبيق إطار ESG بشكل متكامل يتطلب استثمارات ملموسة فى عدة مجالات رئيسية، من أبرزها تطوير الأنظمة الرقمية، وتدريب الموظفين، وإعادة هيكلة العمليات التشغيلية، بالإضافة إلى تحديث وتطوير سياسات الحوكمة داخل المؤسسة، وقد تبدو هذه التكاليف مرتفعة في المدى القصير، إلا أن العائد المتوقع على المدى الطويل يكون أكبر وأكثر استدامة، سواء من حيث تحسين الكفاءة التشغيلية أو تعزيز القدرة التنافسية وتقليل المخاطر.
ثانيا: مستقبل الموارد البشرية فى ظل ESG
الموارد البشرية لم تعد وظيفة دعم تقليدية، بل تتحول تدريجياً إلى دور استراتيجي مرتبط مباشرة باستدامة المؤسسة.
من أبرز الاتجاهات المستقبلية في مجال الموارد البشرية الاعتماد المتزايد على تحليلات الموارد البشرية (HR Analytics)، بما يشمل تحليل سلوك الموظفين، والتنبؤ بمعدلات الاستقالة، وقياس الأثر الفعلي لبرامج التدريب بدقة أكبر، ويسهم هذا التحول في تعزيز قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات أكثر علمية وموضوعية، وتقليل الاعتماد على الحدس أو التقديرات غير الدقيقة، بما يدعم كفاءة إدارة رأس المال البشري وفعالية السياسات التنظيمية.
أصبحت التكنولوجيا عنصراً أساسياً فى دعم تطبيقات ESG داخل المؤسسات، حيث تسهم فى تعزيز الكفاءة والشفافية ودقة القياس،ويتجلى ذلك من خلال أنظمة إدارة الأداء الرقمية التى تتيح متابعة وتقييم الأداء بشكل مستمر، ومنصات التعلم الإلكترونى التى تدعم تطوير مهارات الموظفين وتعزز الاستدامة المعرفية، بالإضافة إلى أدوات قياس رضا الموظفين فى الوقت الفعلى والتى تساعد على تحسين بيئة العمل واتخاذ قرارات أكثر استجابة وفعالية.
مع تطورESG، بدأت تظهر وظائف جديدة داخل المؤسسات مثل:
رأي اتحاد شركات التأمين المصرية
يُعد تمكين الاستدامة فى شركات التأمين أولوية استراتيجية أساسية لمستقبل القطاع بأكمله. ويُعتبر رأس المال البشرى العنصر الحقيقىوالمحورى لتحقيق ذلك، إذ يعتمد نجاح أى شركة تأمين فى تبنى ممارسات بيئية واجتماعية وحوكمة (ESG) على كفاءة العاملين ووعيهم وتأهيلهم المستمر.
ويرى الاتحاد أهمية دمج الاستدامة فى استراتيجيات الموارد البشرية، من خلال تدريب الكوادر ، وتعزيز الابتكار ، وترسيخ قيم الحوكمة والشمول المالي .
كما يؤكد الاتحاد أن الاستثمار فى تطوير المواهب ورفع كفاءات العاملين ينعكس إيجابًا على أداء الشركات، وزيادة قدرتها التنافسية، وتعزيز مرونتها أمام الاتجاهات الحديثة مثل الرقمنة،
ومن هذا المنطلق، يحرص الاتحاد على دعم الشركات الأعضاء من خلال تنظيم ورش عمل متخصصة وإصدار نشرات توعوية تركز على آليات تنفيذ الاستدامة، مع التركيز على بناء قدرات الموارد البشرية ، وتصميم منتجات تأمينية مستدامة، ودمج منظور البعد الاجتماعي في السياسات الداخليةللشركات بهدف تعزيز دور قطاع التأمين كركيزة للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.









